محمد أبو زهرة

169

المعجزة الكبرى القرآن

100 - وإن القرآن سلك في الاستفهام مسلكا لم نره كثير الاستعمال عند العرب من قبل نزول القرآن ، ولكنه شاع بعد نزوله من غير سمو إلى مسلك القرآن ، وهو دخول أداة الاستفهام على حرف النفي ، مثل قوله تعالى : أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ ( 6 ) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ( 7 ) تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ( 8 ) وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ( 9 ) وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ ( 10 ) رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ ( 11 ) [ ق : 6 - 11 ] . فأنت ترى من السياق القرآني أن همزة الاستفهام دخلت على لم التي هي حرف نفى ، فالاستفهام دخل على حرف نفى وجاء بينهما فاء هي للدلالة على أن السؤال مرتب على ما كان قبله ، وما قبله كان تعجبا من أمر البعث ، إذ قالوا : إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ وإنهم كذبوا بالحق لما جاءهم فكانت الآيات التي وليت الاستفهام ردا على تكذيبهم ، وفيها الدلالة على إثبات ما أنكروا ، فالفاء للدلالة على ترتيب الاستفهام لكنها أخرت عن أداة الاستفهام ؛ لأن الاستفهام له الصدارة ، فهي مؤخرة عن تقديم في نسق الترتيب الفكري . والاستفهام الداخل على النفي مؤداه الحث على النظر ، لأن الاستفهام عن نفى النظر ، وتقرير عدم النظر ، فإذا كان الاستفهام ابتداء يقرر أنهم لم ينظروا ، وفي النظر تعرف لآيات اللّه تعالى في الكون ، فالاستفهام وحرف النفي يدلان على الإثبات ، وهو هنا طلب النظر ، فكأن المعنى : على هذا المنطق المستقيم ثبت أنكم لم تنظروا ، فالواجب أن تنظروا ، فالاستفهام ابتداء كما يبدو من سياق الكلام يقرر أنهم لم ينظروا ، لأن عدم النظر كان موضع الاستفهام ، ومن المقررات البلاغية أن الاستفهام دائما يدخل على ما يكون موضع شك ، ويقدم فيه ما يكون موضع الشك ، فإذا كان موضع وقوع الفعل ، كان الاستفهام مسلطا على الفعل ، مثل قول الموحدين للوثنيين : أَ نَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا [ الأنعام : 71 ] فهنا نجد موضع الاستنكار هو ذات الفعل ، فكان عقب أداة الاستفهام ، وإذا كان الفعل قد وقع ، وموضع الشك هو الفاعل ، فإنه يجيء وراء الاستفهام ، كقوله تعالى حكاية عن قوم إبراهيم إذ رأوا أصنامهم جذاذا ، قال اللّه تعالى عنهم أنهم قالوا له : قالُوا أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ ( 62 ) [ الأنبياء : 62 ] فالفعل ثابت بالعيان أمامهم ، ولكن الفاعل هو الذي يريدون البحث عنه ومعرفته . وبهذا المنطق البياني نرى أن الاستفهام في هذا النص « أفلم ينظروا » داخل على الفعل المنفى ، فإذا كانت الهمزة للتنبيه أو التقرير ، أو التوبيخ ، لأنهم لم ينظروا ، وهو